محمد بن جرير الطبري
155
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لأصحابك : اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فإنا على هدى : ليس الأمر كما زعمتم إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى يقول : إن طريق الله الذي بينه لنا وأوضحه وسبيلنا الذي أمرنا بلزومه ودينه الذي شرعه لنا فبينه ، هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها ، لا عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، فلا نترك الحق ونتبع الباطل . وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يقول : وأمرنا ربنا ورب كل شيء ، تعالى وجهه ، لنسلم له : لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية ، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة . وقد بينا معنى الإسلام بشواهده فيما مضى من كتابنا بما أغنى عن إعادته ، وقيل : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ بمعنى : وأمرنا كي نسلم ، وأن نسلم لرب العالمين ، لأن العرب تضع " كي " واللام التي بمعنى " كي " مكان " أن " و " أن " مكانها . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يقول تعالى ذكره : وأمرنا أن أقيموا الصلاة . وإنما قيل : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ فعطف ب " أن " على اللام من " لنسلم " لأن قوله : " لنسلم " ، معناه : أن نسلم ، فرد قوله : وَأَنْ أَقِيمُوا على معنى : " لنسلم " ، إذ كانت اللام التي في قوله : " لنسلم " ، لاما لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال ، وكانت " أن " من الحروف التي تدل على الاستقبال دلالة اللام التي في " لنسلم " ، فعطف بها عليها لاتفاق معنييهما فيما ذكرت ف " أن " في موضع نصب بالرد على اللام . وكان بعض نحويي البصرة يقول : إما أن يكون ذلك : أمرنا لنسلم لرب العالمين ، وأن أقيموا الصلاة ، يقول : أمرنا كي نسلم ، كما قال : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي إنما أمرت بذلك ، ثم قال : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ واتقوه : أي أمرنا أن أقيموا الصلاة ؛ أو يكون أوصل الفعل باللام ، والمعنى : أمرت أن أكون ، كما أوصل الفعل باللام في قوله : هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ . فتأويل الكلام : وأمرنا بإقامة الصلاة ، وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا . وَاتَّقُوهُ يقول : واتقوا رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له ، فخافوه واحذروا سخطه بأداء الصلاة المفروضة عليكم والإذعان له بالطاعة وإخلاص العبادة له . وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يقول : وربكم رب العالمين هو الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة ، فيجازي كل عامل منكم بعمله ، وتوفي كل نفس ما كسبت . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد ، الداعيك إلى عبادة الأوثان : أمرنا لنسلم لرب العالمين الذي خلق السماوات والأرض بالحق ، لا من لا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : بِالْحَقِّ فقال بعضهم : معنى ذلك : وهو الذي خلق السماوات والأرض حقا وصوابا ، لا باطلا وخطأ ، كما قال تعالى ذكره : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا قالوا : وأدخلت فيه الباء والألف واللام ، كما تفعل العرب في نظائر ذلك ، فتقول : فلان يقول بالحق ، بمعنى أنه يقول الحق . قالوا : ولا شيء في قوله بالحق غير إصابته الصواب فيه ، لا أن الحق معنى غير القول ، وإنما هو صفة للقول إذا كان بها القول كان القائل موصوفا بالقول بالحق وبقول الحق . قالوا : فكذلك خلق السماوات والأرض حكمة من حكم الله ، فالله موصوف بالحكمة خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه ، لا أن ذلك حق سوى خلقهما خلقهما به .